اللهم و صلّ علی الطاهرة البتول، الزهراء ابنة الرسول، امّ الائمة الهادین ... و مستودعاً لحکمة؛ (بحارالانوار ، ص 181) اللهم صلّ علی فاطمة بنت نبیّک و زوجه ولیّک و امّ السبطین الحسن و الحسین ...؛(بحارالانوار، ج 99 ، ص 45) اللهم صل علی فاطمه و ابیها و بعلها و بنیها و سرّ المستودع فیها بعدد ما احاط به علمک
نظرة على كتاب "المقاصدالعلية" مشاهده در قالب پی دی اف چاپ فرستادن به ایمیل
شماره سفینه - سفینه 38
پنجشنبه ، 28 فروردين 1393 ، 14:25

نظرة على كتاب "المقاصدالعلية"

قيس بهجت العطار[1]

چكيده: المقاصد العلية فى المطالب السنية، كتابى از علامه عبدالحسين امينى است در
باب چهار آيه از قرآن، كه به مباحث عالم دز، توحيد، اسماء حسناى الهى و قيامت
مى‏پردازد.اين كتاب، براى نخستين بار در سال 1391 شمسى به تحقيق سيد محمد طباطبايى
يزدى منتشر شده است. نگارنده اين مقاله ـ كه به زبان عربى است ـ پس از مرورى كلّى بر
درونمايه كتاب، به بيان ويژگى‏هاى آن مى‏پردازد، مانند: كاربرد شعر و ادبيات، زمينه سازى آن
براى كتاب الغدير، حواشى مفيد، ادب و انصاف او در نقد ديدگاه‏ها. نگارنده مقاله، از خلال
مطالب كتاب، نكاتى استخراج كرده، مانند ديدگاه امينى در باب احاديث عالم دز، گزارشى از
كتابخانه شخصى امينى و نفايس آن، ويژگى‏هاى تحقيق متن.

كليد واژه‏ها: المقاصد العلية فى المطالب السنية (كتاب) ـ نقد و بررسى/ عالم دز ـ ديدگاه
عبدالحسين امينى / امينى، عبدالحسين ـ پژوهش‏هاى قرآنى / امينى، عبدالحسين ـ نفايس
كتابخانه / الغدير (كتاب) ـ ارتباط با كتاب المقاصد العلية / اخلاق نقد.

 

بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم

 

المزاوجة بين العلم والأدب عند العلامة الأمينى

 

 

الحمدُ للّه‏ ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي
القاسم محمّد و على أهل بيته الطيبين الطاهرين.

و بعد، فإن المؤلِّفين على مرِّ العصور كُثُرٌ لايُحصون، والمؤلّفاتُ على تنوّع
مواضيعها و اختلاف مشاربها و مساربها لا تُحدُّ بحدّ و لاتُحْصَرُ بحاصِر، و بين هذا و
ذاك كانت و مازالت المُعادلة المطروحة هي أَنَّ بعض الكُتُبِ عُرِفت و اشتهرت من
خلال شهرة مؤلّفيها، فطارت كُلّ مطارٍ بغضّ النظر عن محتواها، و بعض الكتب
الأُخرى هي التي عَرَّفت مؤلِّفيها و إن كانوا من قبل ليسوا ذائِعَي الخبر و لاطائري
الصِّيت.

و بين هاتين الكفّتين برز رجال أفذاذ ذوو مؤلِّفات باهرة، فخرقوا المعادلة
المذكورة العامة، فكانوا هم و مؤلّفاتهم كَفَرسي رهان، فهذا يُعَرِّفُ ذاك، و ذاك يُعَرِّفُ
هذا. و هؤلاء المعدودون في هذه المعادلة الجديدة هم القلَّة القليلة التي تزاوجت
مع علومها، فأنتجت مزيجا فذّا من المؤلِّف و المؤلَّف.

و لكَ أن تُنَظِّر لذلك بالشيخ المفيد و الشيخ الطوسي و العلامة الحلّي و أضرابهم
من كواكب العلم، و على المدى القريب لك أن تتمثّل أمام ناظريك القاضي نور اللّه‏
التستري و العلامة المجلسى و السيّد عبدالحسين شرف الدين و أمثالهم، فإذا
تملّيتهم و تأمّلت في سرّ عبقريّتهم، وقفت على جَليّة الأمر و سرّ الخلود لهؤلاء
المؤلِّفين و مؤلّفاتهم.

و في هذا المضمار يتصدّر المجلس و يتربّع على الدست الشيخ الأجل العلامة
الفذّ الشيخ عبدالحسين الأمينى قدس سرّه.

 

فما هو السِّرُّ في هذه المعادلة الجديدة؟

إنّ السِّرَّ في ذلك يكمن في عدّة نواحٍ تمتاز بها شخصية المؤلِّف و المؤلَّف
الشاخص، و يحتاج بيان ذلك في كل شخص و كلّ مؤلَّف إلى دراسة موسَّعة
تستجلي كوامن العظمة في المولِّف و المؤلَّف ، و لذلك انطلقت الدراسات
الأكاديمية و الحوزوية في هذا المجال، فكانت الثمار و كانت حصائل البحوث هي
التي عليها المدار في جميع أندية العلم و محافله في العالَم.

لكّن ما نريد أن نقف عليه في هذه العُجالة هو استجلاء جانب المزاوجة بين العلم
و الأدب في شخصية العلامة الأمينى قدس سرّه و مؤلّفاته، خصوصاً الكتاب
المعقود لأجله هذه المقالة، و هو كتاب «المقاصد العليّة في المطالب السَّنِيّة»، مضافا إلى
ميزات أُخرى سنتناولها في ثنايا الكلام.

إنّ أوّل ما نلاحظه في هذا الكتاب النفيس هو تناوله لآيات قرآنية بعيدة المغازي
سحيقة الأغوار، ليس لأحدٍ أن يدلي فيها بدلوه إلا من خلال الاستلهام من أهل بيت
العصمة و الطهارة، لأنّها تتناول عالم ماقبل الخليقة من عالم الذّرّ و أخذ العهد، و
ذلك في قوله تعالى: *و إذ  أخذ ربك من بنيآدم من ظهورهم ذرّيّتهم و أشهدهم
على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى*. (الأعراف (7) / 172)

ثم تتناول الأسماء الحسنى و تأويلها، و هي التي أُمر الإنسان أن يدعو بها ليقطع
بها مسيرته الإيمانية فيالأرض، و ذلك فى قوله تعالى: *وللّه‏ الأسماء الحسنى
فادعوه بها و ذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون*. (الأعراف (7) /
180)

و تناول ثالثا ما قبل القيامة، و عند قيام العدل الإلهي على الأرض قبل يوم القيامة،
و ذلك عن خلال تناول مفهوم الرَّجعة عند ظهور قائم آل محمّد عليهم‏السلام، و كان ذلك عبر
قوله تعالى: *قالوا ربَّنا أمتّنا اثنتين و أحييتنا اثنتين*. (غافر (40) / 11)

و رابعا و ختاما بيَّن قدس سره عاقبة الأمر يوم القيامة، و كيفية تقسيم الخلائق
عند ذاك من حيث الجنة و النّار و السَّبق و القُرْب، و ذلك في قوله تعالى: *و كنتم
أزواجا ثلاثه * فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * و أصحاب المشأمة ما
أصحاب المشأمة * والسّابقون السّابقون * أولئك المقرَّبون* (الواقعة (56) / 7 - 11)

و هذه الرُّباعية في الانتخاب تمثّل الرُّقيّ الفكري عند المؤلِّف و استنطاقه أربع
مواضع قرآنية لبيان جميع مراحل الإنسان و سبيل النجاة، فالذرّ ثم البَدْء، ثم الطريق،
ثم ماقبل العاقبة، ثم العاقبة. و قد تناول المؤلِّف كُلّ هذه المفاهيم معتمدا على
مدرسة أهل البيت  عليهم‏السلامدون الالتفات إلى ما وَسْوَسَ به الموسوسون و هَلْوَسَ به
المُهَلْوِسون من أتباع المدارس الأخرى.

و يبدو واضحا جليَّا في فكر المؤلِّف الأمينى نزعة المَعْرِفة المستقاة من تفاسير و
تأويلات أهل العصمة و الطهارة لا غير، اللّهمّ إلا أن يأتي بروايات غيرهم للإلزام، بل
نراه يركِّز بشكل كبير على الاعتماد على صحاح المرويّات.

ففي المطلب الثالث من الكتاب ـ و هو الذي ارتأينا أنّه أوّل المطالب ـ عند بيان
عالم الذرّ و أخذ العهد، يذكر المعنى مُسْتَلاًّ من الروايات، ثم لايكتفي بذلك حتّى
يذكر تسعة أحاديث مسندة في المطلب المذكور.[2]

ثم يتعرض لبيان ميزان التفاضل و أن مداره على انقياد الإنسان لمولاه، مردفا
ذلك بثلاثة عشر حديثا مخذوفة الإسناد للاختصار.[3]

و يتعرض بعد ذلك لعلّة سَبْق النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لسائر الأنبياء عليهم‏السلام فيذكر في ذلك سبعة
أحاديث مفيدة مع ذكر مصادرها.[4]

و يتحدّث بعد ذلك عن سَبْق أميرالمؤمنين عليه‏السلام إلى النبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في الخلق الأوّل، و
أنّه لذلك كان أميرالمؤمنين من الأولين و الآخرين، فيذكر في ذلك  أربعة عشر حديثا
مخدوفة الإسناد مذكورة المصادر.[5]

ثم يذكر أَخْذَ اللّه‏ ميثاق الولاية على الناس في يوم الخلق الاوّل و عالَم الأظِلَّة،
فيقول: «وورد النصّ بذلك في أحاديث كثيرة تقرب إلى ثلاثين حديثا مسندا، و
نقتصر في المقام على عشرة أحاديث». (ص 181)

 

و يتطرّق لمعنى قوله تعالى: «ثم لتسألنّ يومئذ عن النعيم» (التكاثر (102) / 8)، و
قوله تعالى *و قفوهم إنّهم مَسْؤُولون* (الصافات (37) / 24)، فيقول: «ووردَ النصّ بذلك
في أخبار كثيرة بطرق العامّة و الخاصّة في تفسير هاتين الآيتين، و نحن نقتصر منها
بذكر عشرة أحاديث». (ص 189)

ثمّ يذكر الآيات المتعلقة ببحث الذرّ و أخذ العهد، فلايتناولها إلّا مع الحديث
الشريف، فيقول: «و أما الأدلّة النقلية من الكتاب و السنة، فنقول: أمّا الآيات فهي تبلغ
عشرين آية نذكرها مرتّبة مع ما يرجع إليها من الأخبار.»(ص 196)

و يأتي إلى صُلب موضوعه فيذكر 27 حديثا في معنى قوله تعالى: «و إذ أخذ
ربّك من بنيآدم من ظهورهم ذرّيّتهم»... إلى آخر الآية.[6]

و عند بحثه في الآية التاسعة عشرة و هي قوله تعالى: «يوم يأتي بعض آيات ربِّك
لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا»(الأنعام (6) /
158)، يذكر رواية فيها[7]، ثم يُردِفها بذكر 73 رواية في الخلق الأوّل والميثاق، ثم يقول:
«هذه جملة من أخبار المسألة، و هي مع ما ذكرناه تحت الآيات مائة و خمسون
حديثا، و قد اقتصرنا بهذه الجملة خوفا من الإطالة و الإطناب، و إلّا فالأخبار الواردة
من الفريقين في المقام كثيرة تَضَاعَفُ على ما ذُكِرَ، و أكثر الاخبار المذكورة نقيّة السَّنَد
مُتْقَنَهٌ معتبرةٌ جدّا كما لايخفى على أرباب الفن، و كثير منها في أعلى درجة الصّحة»
(ص 270)، ثم ذَكَرَ بالتفصيل حال سند أربعين حديثا منها.[8]

و هذا المسلك سَلَكَهُ بعينه في كُلِّ كتابه، فهو يعتمد على القرآن المجيد مشفوعا
بالسّنّة المطهّرة، متوخّياً في كلّ ذلك تحقيق الاستفاضة أو الشهرة أو التواتر، بانيا
على صحاح الأخبار و الآثار، غير مُغْفل ما يرويه العامّة، بل يأتي به على نحو الإلزام
أو التعضيد. و هذا هو منهج العلامة الأمينى قدس سره في كتابه هذا، بل في كل كُتُبه
و مؤلفاته و تعليقاته.

و قد لايفوت القارى النبيه أُسلوب العدّ و الترقيم الذى كان لايفارق مطالبه
العلمية، فهو يعدّ الأحاديث الواردة في محل بحثه، و يذكر ما يذكره منها محصورا لا
مُبَعْثرا، و ذلك بعد الجمع و الاستقصاء و الغربلة، فيأتي بزبدة المخض ليسيغها
للطالبين بلا عناء و على أحسن وجه.

و من جملة أسلوبه الاستقصائي ذكره لأسماء يوم الذر الواردة في أحاديث أهل
العصمة و الطهارة بما لم أَرَه في مكان أو مظنٍّ آخر، حيث قال: «و يسمّى ذلك العالمَ
ب: يوم الميثاق، و يوم الجمع، و يوم الشاهد، و يوم المشهود، و يوم العرض الأوّل، و
يوم الخلق الأوّل، و يوم التكليف الأوّل، و يوم البعث الأوّل، و يوم الإقرار، و يوم
الولاية، و يوم "بلى"، و عالم الذرّ، و عالم "ألست" و عالم الأظلّة». (ص 136)

يضاف لكلّ ذلك الحالة الموسوعية التى يمتاز بها بشكل مذهل، حيث يوشّح
كل ذلك بالاستنباطات الفقهية، و القواعد الأصولية، و المباني التفسيرية، و علم
الحديث والرجال و الدراية، و الحقائق التاريخية، و النكت الأدبية، و اللفتات
البلاغية، و النُّتف المعارفية، و القبسات النادرة، و الاحتجاجات البليغة، و الأجوبة
المسكتة، ووو.... فيخرج من كل ذلك كتابُهُ آيةً في كل زاوية من زواياه و مطلب من
مطالبه، و يعكس بذلك عبقريته الّلا متناهية في كل مجالات المعرفة، فبذلك يكون
كتابه حاكيا عن عظمته، و عظمته مطبوعة على كتابه.

ملا مح الأدب في الكتاب

والذى نريد أن نسلّط عليه الضوء هو أدب الشيخ الأمينى في هذا الكتاب و
أسلوبه و وحدة قَلَمِهِ.

فقد امتاز الشيخ الأمينى ـ رغم كون مُنْحَدَره من تبريز ـ بحبّه للأدب العربيّ، و
تضلّعه من أشعار العرب، و إبحاره في التراث الأدبي الشيعي، و تتبّعه لأمثال العرب،
و إجادته في الاستعمالات الحديثة دون الاقتصار على جفاف القلم العلمي القديم.

فها نحن نرى مؤلّفاته تضجّ و تعجّ بأشعار العرب، و لايكاد يخلو مؤلَّف من
مؤلفّاته، بل موضوع من مواضيعه من الشعر العربى و النبرة الأدبية.

فما أن طوى قَلَمُهُ ستّ صفحات من المطلب الأوّل[9] ـ في معنى قوله تعالى:
«قالوا ربنا أمتّنا اثنتين و أحييتنا اثنتين» (غافر (40) / 11) ـ حتّى عَرَّج على ذكر أبيات
لأحد الأدباء الفلاسفة ـ و هو ابن سينا ـ في أَنّ الحياة الحقيقية هى العلم و الرُّقي
المترتبان على الوجود الإنساني:

 

هذّب النفس بالعلوم لترقى

 وترى الكُلَّ فهي للكُلِّ بَيْتُ

إنّما النّفس كالزُّجاجة و العق

 ل سراجٌ و حكمةُ اللّه‏ زيتُ

فإذا أشرقت فانّك حيُّ

 و إذا أظلمت فانّك مَيْتُ (ص 19)

 

و يسترسل بذكر كلمات إمام البلاغة أميرالمؤمنين على بن ابى‏طالب عليه‏السلام في ذلك
المجال ثم يتبعها ببيت للإمام أميرالمؤمنين عليه‏السلام. ثم يذكر خطبة للإمام أميرالمؤمنين
من نهج‏البلاغة يقول فيها: «فالصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان، لايعرف باب
الهدى فيتّبعه، و لا باب العمى فيصدّ عنه، و ذلك ميت الأحياء»، فُيلاحِظُ الأميني
هنا الشعراء الذين اقتسبوا هذا المعنى، فيقول:

«و أخذ الشاعرُ هذه الكلمة الفصيحة، فقال:

 

ليس من مات فاستراح بمَيتٍ

 إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ

إنّما المَيْتُ من يعيش كتيبا

 كاسفا بالُهُ قليلَ الرجاء


وقال آخر فى المعنى:

 

و في الجهل قبل الموت موتٌ لأهلِهِ

 و أجسادهم دونَ القُبُورِ قُبُورُ

و إنّ امرءا لم يَحْىَ بالعلم قَلبُهُ

 فليس له حتى النُّشُورِ نُشُورُ

 

و أنشد عيسى بن على الوزير ـ المعروف بابن الجرّاح ـ لنفسه:

 

رُبّ ميتٍ قد صارَ بالعلمِ حيّا

 و مُبَقّى قد حازَ جَهْلاً و غَيّا

فاقتَنوُا العِلم كي تنالوا خُلودا

 لا تَعُدُّوا الحياة في الجَهْلِ شَيّا»[10]

 

و لا يعلم هذه الاقتباسات و الاستفادات و تمييزها من السَّرقات الّا من كان ذا باع
طويل في الأدب، و ذا مِرَّةٍ في النَّقْد و التمحيص.

و ذكر في المطلب الأوّل أيضا قول أميرالمؤمنين عليه‏السلام: «إنّما الدنيا دار ممرّ، و
الآخرة دار مقرّ، فخذوا من ممرّكم لمقرِّكم، و لا تهتكوا أستاركم عند من يعلم
أسراركم»، و قال  عليه‏السلام: «أهل الدنيا كرَكْب يُسارُ بهم و هم نيام»، ذكر هذين الكلامين،
ثمّ قال: «قال أبوبكر محمّد بن الوليد الطُرطوشى:

 

إنّ للّه‏ عِبادا فُطُنا

 طلّقوا الدُّنيا و خانوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا

 أنّها ليست لحىٍّ وَطَنا

 

جعلوها لُجَّةً واتخذوا

 صالح الأعمال فيها سُفُنا»[11]

 

و هذه الالتفاتة مثل سالفتها في النباهة و الحِذْقِ الادبى.

و بالرغم من أنّ كتابه المنظور ـ المقاصد العلية في المطالب السنية ـ من أوائل
مؤلّفاته، و هو قبل كتاب "الغدير" على القطع و اليقين، إلا أنّ وَحْدَة النهج و النسق تكادُ
تُلْمَسُ في كليهما، و إن كان أسلوب الغدير أمتن و أرصن كما سنشير إلى ذلك، لكن
المسار العامّ هو تقاربهما في النهج و النسق.

لقد ذكر العلامة الأمينى قدس سره في كتابه الغدير روائع من شعر ابن حماد لم
يذكرها غيره، و تجدُ كذلك نُتَفا منها فى المقاصد العلية، فبعد أن ذكر الحديث النبوى
ـ في أنّ اللّه‏ عز و جل شَقَّ لعلى اسما من أسمائه، فهو العلى الاعلى، و أميرالمؤمنين
علىّ ـ ذكر قول ابن حماد:

 

اللّه‏ سمّاه عليا باسمه

 فسما علوّا في العلا و سُمُوقا

و اختاره دون الورى و أقامه

 عَلَما إلى سُبُل الهدى و طريقا

أخذ الإله على البريّة كُلّها

 عهدا له يوم الغدير وثيقا

و غداة آخى المصطفى اصحابه

 جَعَلَ الوصي له أخا و شقيقا[12]

 

بل كان الأمينى قدس سره يتتبع المطالب العلمية في شعر شعراء الشيعة و
لاتفوته منها شاردة و لا واردة، لذلك نجده عند الحديث عن عالم الذرّ يقول: «هذه
جملة من قسمة المنثور من كلمات علماء الامامية الاجلّة، و أمّا ما ورد في المسألة
نظما من العلماء الامامية رضوان اللّه‏ عليهم و من سائر أطباق الفريقين فهى كثيرة
جدّا، نستروح بذكر جملة منها» (ص 325)، ثم راح ينوّر صفحاته بشعر للشيخ جابر
الكاظمى والشيخ محمّد على الاوردبادى و الشيخ صالح التميمى، و عبد الباقي
العمرى، و صالح بن قاسم الحويزى النجفى المعروف بـ "صالح حجى"، و السيّد
عدنان البحرينى ـ أو محمد الموسوى ـ والسيد الحميرى، و ابن حماد، و الحرّ
العاملى، و جواد الشبيبى، و محمّد بن فلاح الكاظمى، و السيّد حسين بحرالعلوم، و
الشيخ حسين نجف، و السيد عباس المفتى التسترى، و ابن العرندس، و الشيخ كاظم
الكويتى، و أبى القاسم الزاهى، و معتوق بن شهاب الموسوى، و ابن الفارض، و
محيى الدين بن عربيّ، و محمّد حسن أبى المحاسن الحائرى، و الشيخ طالب شرع
الإسلام مصرِّحا بأنّه ترجمه في كتابه شعراء "الغدير"[13]، و قد ختم المطلب الثالث من
كتابه بهذه الكوكبة من الاشعار.

و بين هؤلاء الشعراء و أشعارهم كان يذكر أشعارا فارسية في الذرّ و الميثاق. و
استيعاب هذا العدد الضخم من الشعراء، و انتقاء ما يخصّ الذرّ من أشعارهم، يعنى
مطالعته لدواوين جمّه، و استقراء الشعراء و أشعارهم، و هذا الأمر لايعرف عُسرَه إلا
من يكابده، و لا يتحسَّسه الا من تجشّم عناء البحث و التنقيب والاستقصاء و انتخاب
ما يخص الموضوع المراد استلاله من شعر الشعراء و دواوينهم المطبوعة و
المخطوطة.

و بين الشعراء الذين ذكرناهم آنفا يلمع اسم صديقه الشيخ الحجة محمّد على
الأُوردبادى، الذي كان خليصَهُ و صفيَّهُ و بَلَدِيَّهُ، و الذى كان يُكنُّ كُلَّ الإجلال و
الاحترام و التقدير للعلامة الأمينى، و كان العلامة الأمينى يقابله بمثل ذلك.

لم يغفل الأمينى صديقه الأديب الألمعى هذا، بل راح يستنطقه عما عنده من
مخزون الأدب، و مكنون القريحة حول عالم الذر، فكان أن رَفَدَ العلامةُ الاوردبادىُّ
العلامةَ الأمينى بما عنده.

قال الأميني: «و قال شيخنا المفضال الأجل، عَلَم العلم و الأدب، العلامة الميرزا
محمّد على ابن الشيخ حجّة الإسلام الميرزا أبوالقاسم الاوردبادى، و قد أنشدنى
شعره هذا في بلدة تبريز:

 

أباحسن إن يجحدوك فطالما

 بمنتثر الحصباءِ عيضَ عن الدُّرِّ

ألم يكفهم غَديرُ خُمٍّ مَنَصَّةً

 على سالِفِ الميثاقَ في عالمِ الذَّرِّ

 

و قال دامت بركاته في قصيدة رائية طويلة قالها يمدح بها شهداء علماء الشيعة
المذكورين في كتابنا "شهداء الفضيلة"[14]، المؤلِّف في تاريخ حياة شهداء علماء الإمامية
رضوان اللّه‏ عليهم:

 

و قُل فيهم ما شئت من مفخرٍ لهم

 و ما شئت من أمرٍ فحدِّث عن البحرِ

و ما نزلوا للموت وَهْنا و إنّما

 حَداهُمْ لَهُ الميثاقُ في عالم الذَّرِ

هنالك إذجاءوا بعهد مُؤكَّدٍ

 فلم يُلْفَ منهم بعدَهُ وَجْهُ مُزْوَرِّ» (ص 326)

 

و هذا الأمر ينبى‏ءُ عن أنّ الأمينى كان يستقصى حتّى ما عند معاصريه في كتاباته
لكى لايفوته شى‏ء مما يرفد موضوعه بالعطاء، و هذه لعمرى خصلة الباحث المتتبّع
الذى يزن الأمور بموازينها، و يأخذ من كلٍّ رائعة ما يزينها.

الهوامش و الحواشى

من الأمور التي يعرفها العلماء والمحققون ما للهوامش و الحواشى من فوائد
لايستغنى عنها في الكتابات و المؤلّفات ذات الثقل العلمى الكبير، فإن البحر إذا
فاض عبابه و ازدحمت أمواجه و كثرت عقيانه، رَمَى بلآئه و جواهره إلى الساحل،
لذلك تزدان غالبية الأسفار و الكتب الرصينة بهوامش و حواش تتلائم ضخامة و
محتوىً مع متن الكتاب، و هذا ما يرصده القارى لكتاب "المقاصد العلية في المطالب
السنية
"، حيث كثرت في هوامشه و حواشيه الفوائد العلمّية مشفوعة بنفس القلم و
الطريقة و الأُسلوب، و ذلك زيادة في الإفادة، و حرصا على عدم فوات أيّ مطلب
من المطالب، أو تنبيه من التنبيهات، بحيث لاتضرّ بنسيج المتن، لذلك يستعاض عن
المتن بالهامش و الحاشية، و لكى لا يلتبس الامر على واجد النسخة من بعد، فإنّ
المؤلّف يذيّل هامشه بعبارة تدلّ على المهمِّش لئلا يختلط بهامش كاتب أو معلِّق
آخر، بما يهمّش المحقِّق للكتاب.

و هذا الطريقة نجدها عند كبار العلماء  و الفقهاء  و الأدباء، و قد غَنِيت بها كتب
العلامة الأمينى و تحقيقاته، تَجدُ ذلك واضحا فى تحقيقه لكتاب كامل الزيارة، كما
تجده في كتاب المقاصد العلية، و كم كان بودِّى أن تطبع هذا الهوامش بخطّ أو حجم
آخر للحرف لتمتاز عن هوامش التحقيق، خصوصا في الموارد التى تكون مثارا
للخلط و الاشتباه[15]، و يتّم بذلك العمل الجليل الذى قام به سماحة حجه‏الاسلام
السيّد محمّد الطباطبايى اليزدى حفظه اللّه‏.

و على كلّ حالٍ، فإنّ نظرة سريعة إلى الهوامش توقفنا على ما قلناه من متانة
التعليقة و علميّتها مصحوبة بالقَلَم السَّيَّال المتماسك الأطراف.

خذ مثلاً على ذلك بيانه الكافى الشافى للوجوه و الأقسام المتصوّرة في رؤية اللّه‏
تعالى، و أنّ كلمات أهل البيت عليهم‏السلام كُلُّ منها ناظر إلى قسم من الأقسام، حيث قال في
الهامش: «اعلم أنّ رؤية اللّه‏ تعالى إنّما تُتَصَوَّر على أقسام أربعة، و النفى و الاثبات
الوارد في أخبار أهل البيت العلم و الحكمة عليهم‏السلام كُلّ منها ناظر إلى قسم واحد منها»
(ص 139)، ثم راح يبين الأقسام الواحد تِلْوَ الآخر بأربع صفحات مملوءة بالحرف
المطبعى الناعم، خاتما كلامه الشريف بتشطير الشيخ عبدالحسين التسترى
الكاظمى أبيات الصدر العاملي:

 

«عليّ  بشطر صفات الإله»

  خُصِصْتَ و غيري يرى الكُلَّ لَكْ

فتسييرك الفُلك مِمّا به

 «حُبِيتَ و فيك يدورُ الفَلَكْ»

«و لمّا أراد الإلهُ المثال»

 لِقُدْسِىِّ أوصافِه شكَّلك

و لمَّا قضى أن تكونَ الدليل

 «لنَفْىِ المَثيلِ لَهُ مَثَّلَكْ»

«ولولا الغُلُوُّ لكُنْتُ أقول»

 و لكنَّ مَن قال قبلى هَلَك

بأنَّك أنت الإلهُ الّذي

 «جميعُ صفاتِ المهيمنِ لك»

 

و خُتِمَ ذلك بعبارة «منه رحمه اللّه‏ تعالى».[16]

و هنا أيضا يلاحظ الوَلَع بالأدب العربيّ و بالأُسلوب الشَّيِّق في مزاوجة المطالب
العلمية بالأدب الهادف.

و عند نقله قول رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في حقِّ أميرالمؤمنين عليه‏السلام: «إنّه أوّل من آمن باللّه‏ و
رسوله، و لم يسبقه إلى الإيمان بى أحَدٌ بُعِثَ؛ مَلَكٌ مقرَّب و لانبيّ مرسل»، هَمَّش
المؤلِّف لبيان المراد من المبعث في هذا الحديث الشريف، و أنّه المَبْعَثُ الأَوَّل من
مَبْعَثَى رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله، فبيّن ذلك بالأحاديث و الأدلة بصفحتين كاملتين في الهامش،
و كتب فى آخر الهامش: انتهت تعليقة المؤلِّف قدس اللّه‏ نفسه الزكية.[17]

و بعد ذكره 73 حديثا في عالم الذّرّ، و بيانه لحال أسانيد أربعين منها، انطلق قلمه
الأمين ليقول: «ليت شعرى بأىِّ كتابٍ أم بأيّة سُنَّةٍ يُعْرَضُ عمّا أخبر به تراجمةُ وحى
اللّه‏ و لسان حكمته؟! و كيف يُهْمَل معنىً تفيده الأدلّة الكثيرة من الآيات والأخبار، و
يؤخذُ معنىً ليس في الكتاب و السُّنّة عينٌ و لا أثرٌ ممّا يدلّ عليه؟!» (ص 287)

ثم ذكر أنّ تلك الأحاديث مروية كلّها عن رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و الأئمة الاثنى عشر عليهم‏السلام،
و أنّ رواتها عن المعصومين جماعة تزيد عدّتهم على خمسين، و أكثرهم ثقات
عدول أثبات أجلاء من أصحابنا الإمامية رضوان اللّه‏ عليهم اجمعين، ثم راح
يعدّدهم.[18]

و عند الاسم الأخير من أُولئك الأجلة الخمسين، قال مهمّشا: نذكر حال أربعين
رجلاً ممن تنتهى إليه أسانيد أخبار المسألة على وجه الاختصار و الإشارة: 1- أحد
أركان الدين 2- أحد أركان الأربعة 3- ثقة جليل 4- أحد أكابر الصحابة 5- مشكور
من خاصة أميرالمؤمنين عليه‏السلام ... و هكذا استمرّ في بيان ألفاظ توثيقهم و تعديلهم و
مدحهم حتّى عدّ أربعين عبارة، و كُتب في نهاية الهامش: منه رحمه اللّه‏.[19]

و في هذا الهامش من الفائدة للمطالع ما لا غنىً عنه في هذا المقام، و هو مقام
الاستدلال و البيان.

و لعلّ مطالعة سريعة للهوامش توقف الباحث على ما قلناه و تغنينا عن الإطالة
في هذا المجال.

مكتبتة و نُسَخُهُ

و من الميزات التبى امتاز بها هذا الكتاب ـ أعنى المقاصد العليه في المطالب السنية ـ هو
ذِكر العلامة الأمينى في أثناء بحوثه نسخة المصدر الذى اعتمد عليه أو مطبوعته، و
ذلك كان في غاية الأهمية في زمانٍ لم تكن الطباعة فيه قد انتشرت بشكل كبير، و لم
تكن قد أخذت  رونقها، و لم يكن عند الناس الحاسوب الآلى "الكومبيوتر"، فذِكْرُ
وَصْف النسخة و الكتاب المعتمد فى النّقل يكون ضروريّا للباحث، و على الأخص
في مقام الاحتجاج و حل الاختلاف و بيان القول الفصل. و هو يدلّ على نقل
المؤلّف من المصدر الأُمّ دون واسطة، و هو أشدّ في التثبُّت، كما أنّ ذلك الوصف
يفيدنا في التعرّف على مكتبة العلامة الأمينى قدس سره.

و أمثلة ذلك كثيرة في الكتاب، خصوصا الكتب النادرة أو القليلة التداول بين أهل
العلم و الناس.

فمن ذلك قوله: و في "مناقب المائة" للشيخ الثقة الأجل أبى الحسن محمّد بن
أحمد بن على بن الحسن بن شاذان قدس اللّه‏ سرّه ـ والكتاب موجود عندنا ـ عن أبى
سلمى (ص 72)... إلخ. و أكدّ ذلك في موضع آخر فقال: و نحن نذكر لفظ الشيخ الثقه
شيخ مشايخ الأجلّة أبى ألحسن بن شاذان في المنقبة التاسعة و الأربعين من كتابه
مناقب المائة الموجود عندنا. (ص 176)

و قال: و في "تفسير فرات بن إبراهيم الكوفى" رحمه اللّه‏ ـ الموجود نسخته عندنا ـ
روى في سورة البقرة (ص 72)... إلخ.

و أكّد ذلك مرّة أخرى فى موضع آخر فقال: نحن نذكر لفظ رئيس المحدّثين في
عصره فرات بن ابراهيم الكوفى رحمه اللّه‏ في تفسيره الموجود عندنا. (ص 119)

و كرّر ذلك ثالثه قائلاً: فرات بن إبراهيم الكوفى في تفسيره ـ و الكتاب موجود
عندنا ـ قال حدثنا على بن عتاب (ص 204)... الخ.

و قال: و في "دلائل الإمامة" للشيخ الأجل محمّد بن جرير الطبرى ـ والكتاب
موجود عندنا ـ ما روى بإسناده عن سلمان (ص 73)... إلخ.

و قال: و في "كفاية الطالب" للإمام الحافظ محمّد بن يوسف الكنجى ـ والكتاب
موجود عندنا ـ روى بإسناده عن النبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حديثا طويلاً (ص 75)... إلخ.

و قال: الرابع: إنّه [أى أميرالمؤمنين عليه‏السلام ] أوّل الناس لقاءً لرسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و أوّلهم و
ورودا عليه، كما فى الطرفة العشرين من كتاب "الطُّرَف" للسيّد المعتمد ابن طاووس ـ
و الكتاب موجود عندنا ـ عن مفضل (ص 173)... إلخ.

 

و قال: في خصائص الأئمة للسيّد الشريف الرضى رحمه اللّه‏ ـ و الكتاب موجود
عندنا ـ عن أصبغ بن نباتة (ص 204)...

و قال: و رواه السيّد الأجل ابن طاوس رحمه اللّه‏ في كتاب اليقين ـ الموجود عندنا
ـ نقلاً عن كتاب محمّد بن العباس (ص 205)... الخ.

و قال مرة اخرى: في الباب الخامس و الستون من كتاب "اليقين" فيما نذكره من
المجلد الأول... ثم كتب في الهامش عند كلمة "اليقين": هو للسيّد الثقة الوجيه على
بن طاووس رحمه اللّه‏، و هو موجود عندنا، منه رحمه اللّه‏ (ص 206).

و قال: الشيخ الثقة أبو محمّد جعفر بن أحمد القمّى رحمة اللّه‏ في "كتاب العروس"
ـ و نسخته موجودة عندنا ـ قال الصادق عليه‏السلام (ص 254)...

و قال: في كتاب الكشكول فيما جرى لآل الرسول الموجود نسخته عندنا (ص 266)...

و قال: في مختصر بصائر سعد بن عبداللّه‏ الموجود نسخته عندنا (ص 266)...

و قال: ابن قولويه في كامل الزيارة الموجود نسخته عندنا (ص 268)...

و هذا دأبه في كثير من المواطن و الكتب، و هذا الطريقة هى طريقة ابن طاووس
رضوان اللّه‏ عليه ـ التي ترسَّمها العلامة المجلسي ـ في ضبطه للكتب التي ينقل منها و
ضبط أسماء مؤلِّفيها، و دقة وصف نسخها، لكنّ العلامة الأمينى ـ و للأسف ـ لم
يضبط مواصفات الكتب التي كانت عنده، و لا ذكر تاريخ طباعتها، و لا مكان
الطباعة، و لا اسم المحقق إن كان، و هذا ما يجعل مجرّد ذكر وجود الكتاب عنده
قليل الفائدة.

بقي شى‏ء

و هو أنّ الحقّ و الإنصاف يقتضى أن نقول: إنّ أُسلوب العلامة الأمينى قدس سره
أسلوب رائع متين  رصين في كُلِّ مؤلفاته و كتبه و تعليقاته و تحقيقاته، لكنّ قَلَمَهُ و
صياغته في كتاب الغدير يمتازان عن سائر مؤلفاته بعذوبة الألفاظ، و سحر البيان،
وسعة الميدان كرّا و فرّا، ووفرة الأشعار و الأمثال و التفنن في العبارات، و تنميق
العبارات، و ترصيف الكلمات الذهبية.

فلا تجد مثل قوله و هو يفند بعض مزاعم ابن تيمية: «فإن كان هؤلاء الحفاظ و
الأعلام خارجين عن أهل المعرفة بالحديث فعلى اسلام ابن تيمية السلام، و إن كانوا
غير داخلين في الاتّفاق فعلى معرفته العفاء، و إن كان لم يُحط خُبْرا بإخراجهم
الحديث حين قال ما قال فَزِهْ بطول باعه في الحديث، و إن لم يكن لا ذاك و لا هذا
فمرحبا بصدقه و أمانته على ودائع النبوة». (الغدير، ج 3، ص 216)

كما لا تحصل على مثل قوله حول بيعة السقيفة الظالمة و حرق الدار: «فزِهْ زِهْ
بانتخاب هذا شأنه، و بَخْ بَخْ ببيعة تمَّت بذلك الإرهاب، قضت بتلك الوصمات».
(الغدير، ج 7، ص 87)

و حسبُك روعةً قوله في الدكتور طه حسين: «لكنّ عجبي كلّه من مثل هذا الذي
يرى نفسه مُنَقِّبا، و يحسبه فذّا من أفذاذ هذا العصر الذهبي، عصر النور، عصر
البحث و التنقيب الذى مُنى بمثل هذا الدكتور و أمثاله من جِمالٍ مُسْتَنْوِقة، يُسِرُّونَ
حسوا فى ارتغاء» (الغدير، ج 2، ص 253)...

فهذه الصياغة الذهبية المشتملة على مَثَلين متتابعين من أمثال العرب "استنوق
الجمل" و "يسّر حسوا فى ارتغاء" لاتجدها في كتاب المقاصد العلية.

و يقول في ردّ نظرية انتخاب الناس للخليفة بالشورى: «و ليس من المأمون أن يقع
انتخابهم على عائث، أو يكون التياثهم بمُشاغب، أو يكون انثيالهم و راء من يُسِرُّ
على الأمّة حَسْوا في ارتغاء، أو يقع اختيارهم على جاهل يرتبك في الأحكام
فيرتكب العظائم، و يأتى بالجرائم، و يقترف المآئم» ...(الغدير، ج 7، ص 133)

فها أنت ترى حُسْن العبارة و رشاقتها، و سطوع الكلمات و إشراقها، و تطعيم
الكلام بالمَثَل، و انسياب الطباق و الجناس بمنتهى العفوية و تسلسل السّجْع
كالسلسال العذب.

و لعلّ العذير في ذلك أنّ في الغدير مجالاً للكلام التاريخى و الأدبى، و متسعا
للمُساجلة و الإبداع الخطابى، و هذا ما لا يمكن تجشّمه في مثل مطالب المقاصد
العلية
البحتة في العِلْم، و المتمحّضة بالغور في أعماق التفسير و التأويل و الحديث و
المعرفة.

و لعلَّ للتراكم المعرفي، و رفرة التجربة، و خوض الميدان مرّة بعد أخرى، و طول
الاستقرار في النجف الأشرف بين العرب الأقحاح و كبار الأدباء، لعلّ لكلِّ ذلك اثرا
في صقل الموهبة الادبية، و رَوْنقَة القَلَم، و اتّحاد النسيج أكثر فأكثر.

و في نهاية المطاف لايسعنا إلّا أن نقف إجلالاً و إكبارا أمام هذه الشخصية الفذّة،
و الكتب النادرة، التي تلاقحت فيها الأفكار و الآداب، حتى انتجعت ثمارا يانعة في
جِنان التراث الشيعي.

والحمدللّه‏ رب العالمين على ما مَنَّ و أَلْهَم، و أعطى و أكرم، و الصلاة على النبي
الأمّىّ الامين، و على أهل بيته الطيبين الطاهرين.



[1]. شيخ قيس بهجت العطار، استاد دانشگاه

 

[2]. اُنظر ص 133 ـ 139 من الكتاب.

 

[3]. اُنظر ص 153 ـ 155 من الكتاب.

 

[4]. اُنظر ص 157 ـ 159 من الكتاب.

 

[5]. اُنظر ص 177 ـ 181 من الكتاب.

 

[6]. اُنظر ص 196 ـ 209 من الكتاب.

 

[7]. اُنظر ص 232 ـ 234 من الكتاب

 

[8]. اُنظر ص 270 ـ 286 من الكتاب.

 

[9]. و هو الّذى ارتأينا أنّه ثالث المطالب.

 

[10]. اُنظر ص 20 ـ 21 من الكتاب.

[11]. اُنظر ص 50 من الكتاب.

[12]. اُنظر ص 71 من الكتاب، والغدير، ج 4، ص 150.

[13]. اُنظر ص 323 ـ 326 من الكتاب. و هذا يعنى أنّه كان قد ألّف الغدير أو قسما منه، أو كان مشتغلاً بتأليفه، و يدلّ على ذلك أنّه ذكره هنا باسم «شعراء الغدير»، لكن يبدو أنّه حين أتمّه اختار اسمه النهائى «الغدير في الكتاب و السنة و الأدب».

 

[14]. هذا يدلك على أنّ كتاب شهداء الفضيلة أُلِّف قبل كتاب المقاصد العلية.

 

[15]. و ذلك مثل الهامش 3 من ص 42.

 

[16]. اُنظر الهامش في ص 139 ـ 143 من الكتاب.

 

[17]. اُنظر الهامش في ص 170 ـ 171 من الكتاب.

 

[18]. اُنظر ص 287 من الكتاب.

 

[19]. اُنظر هامش ص 287 ـ 288.

 

 

 

خبرنامه

نــــام:

ایمیل: